محمد أبو زهرة
1457
زهرة التفاسير
وتنازعهم فيه فضل بتعليمهم حق الجهاد وواجبه ، وعفوه عنهم هو الفضل كله ، ولقد تأكد فضل اللّه تعالى في الآية بقوله : ذُو فَضْلٍ أي صاحب فضل ، والمرمى أن الفضل يلازمه ، ولا ينقطع عنه سبحانه وتعالى أبدا . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ هذا بيان لبعض ما جرى للمسلمين في أحد ، بعد أن نزل الرماة إلى ميدان الغنيمة في غير الوقت المحدود ، وهو يصور جيش الحق ، وقد اضطرب بسبب ذلك الغلط الذي كان يبدو صغيرا لمن وقعوا فيه ، وله نتائج خطيرة ، والصورة البيانية التي تستمد من النص الكريم ترينا كيف كان المقاتلون يسيرون على غير مقصد يقصدون إليه ، لا إلى النجاة بأنفسهم يسعون ، وقد أحيط بهم ، ولا إلى العدو يقصدون ، وقد أظهر أنه استعلى عليهم مؤقتا وظنوا هم في أنفسهم الظنون ، ولا فوضى في جند أكثر من أن يسير على غير مقصد ، وجيش الإسلام وهو في هذه الحيرة وهذا التيه كان النبي صلى اللّه عليه وسلم في آخره يدعو جنده قائلا فيما روى عنه : « إلىّ عباد اللّه إلىّ عباد اللّه ، أنا رسول اللّه ، من يكرّ فله الجنة » « 1 » . ومعنى تُصْعِدُونَ تسيرون في بطن الوادي ؛ لأن الصعود معناه الارتفاع ، والإصعاد معناه السير في بطن الوادي ؛ وقال أبو حاتم في هذا : ( أصعدت إذا أمضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره ) . وقال قتادة : أصعدوا يوم أحد في الوادي . ومعنى ( تَلْوُونَ ) تعطفون في سيركم إلى مقصد تقصدونه . ولقد جاء في المفردات للأصفهاني : يقال فلان لا يلوى على أحد إذا أمعن في الهزيمة . والمعنى : عفا اللّه عنكم في الوقت الذي وقعتم فيه في الفوضى والاضطراب ، وأصبحتم تسيرون في بطن الوادي لا تقصدون ، ولا تبتغون أمرا ،
--> ( 1 ) ذكره بهذا اللفظ في تفسيره : الرازي ، والنسفي ، والبيضاوي ، والألوسي ، والزمخشري ، ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ، عن ابن عباس بلفظ : إليّ عباد الله ارجعوا ، إليّ عباد اللّه ارجعوا ! وراجع البداية والنهاية . غزوة أحد .